ولاية ترامب: سياسة خارجية بلا بوصلة
خاص – نبض الشام
حين نتأمل مسار السياسة الخارجية في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يمكن تجاهل التناقضات الواضحة التي رافقت قراراته ومواقفه الدولية. فالرجل الذي رفع شعارات الواقعية والانكفاء نحو الداخل الأمريكي، سرعان ما دخل في صراعات معقدة ومواقف متضاربة، كشفت غياب رؤية ثابتة أو استراتيجية مستدامة. بين التودد لخصوم الأمس والدعم المطلق لحلفاء اليوم، ظل المشهد يتأرجح وفق حسابات ظرفية يغلب عليها الطابع الشخصي والإعلامي.
من التهدئة إلى التسليح
أحد أبرز أمثلة التناقض في عهد ترامب تمثل في مواقفه المتقلبة تجاه روسيا وأوكرانيا. ففي الوقت الذي أبدى فيه رغبة واضحة بفتح قنوات للحوار مع موسكو، بل وأشاد في أكثر من مناسبة برئيسها، لم يتردد في توقيع مساعدات عسكرية لأوكرانيا ودعمها في مواجهة النفوذ الروسي. هذا التذبذب لم يكن مجرد خطوة تكتيكية، بل عكس ارتباكا في فهم طبيعة التحالفات والتحديات الجيوسياسية.
التصادم مع أوروبا
رغم ارتباط الولايات المتحدة بعلاقات استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن ترامب أدار هذه العلاقة بأسلوب التصادم والتشكيك. رفضه التام لفكرة الانصياع للمواقف الأوروبية، خاصة في ما يتعلق بإدارة الصراع الأوكراني، خلق فجوة واضحة في التنسيق بين واشنطن وبروكسل. بدلًا من صياغة موقف غربي موحد، اختار ترامب سياسة التلويح بالعقوبات من جهة، والدعوة إلى الحوار من جهة أخرى، ما أضعف الدور الأمريكي القيادي.
لا للحرب… نعم للعقوبات
من أبرز مفارقات ترامب رفضه العلني لأي تدخل عسكري مباشر، مع استمراره في فرض عقوبات اقتصادية شديدة على خصومه، رغم إدراكه أنها غالبًا غير مجدية. في حالة روسيا، لم تؤد تلك العقوبات إلى تراجع موسكو، بل دفعتها لتعزيز شراكاتها مع قوى صاعدة كالصين والهند، وأعادت هيكلة اقتصادها بشكل يقلص اعتماده على الغرب. ومع ذلك، استمر ترامب في استخدام سلاح العقوبات دون استراتيجية طويلة الأمد.
فقدان أدوات التأثير
مع مرور الوقت، بدأت الإدارة الأمريكية تفقد أوراق الضغط التي تمكنها من توجيه مجرى الأزمة الأوكرانية. إصرار ترامب على حل سريع، دون تقديم تصور متكامل يراعي المصالح الروسية والأوكرانية معًا، جعله في موقف المتفرج أكثر منه صانع قرار. تفكك المواقف داخل إدارته، ورفض النخب السياسية لبعض خياراته، كشف عمق الخلل في آلية اتخاذ القرار داخل البيت الأبيض.
أسلوب متكرر
التجربة السياسية للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب على الساحة الدولية كشفت بوضوح أن التناقض ليس مجرد سمة عرضية، بل أصبح أسلوباً متكرراً في تعاطيه مع الأزمات. غياب الرؤية، والتقلب في المواقف، واستغلال السياسة الخارجية لتحقيق مكاسب داخلية، كلها عوامل ساهمت في تآكل مصداقية واشنطن عالميا. ومع استمرار النزاعات وغياب التوافق، يبقى الرهان على انتصار منطق التسويات، لا على خطابات متقلبة لا تصنع سلاماً ولا تحقق استقراراً.
“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”




